ابن كثير

246

السيرة النبوية

قالت عائشة : فجهزناهما أحث ( 1 ) الجهاز ، فصنعنا لهما سفرة ( 2 ) في جراب ، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها به على فم الجراب ، فلذلك سميت ذات النطاقين . قالت : ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثور ، فمكثا فيه ثلاث ليال ، يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر ، وهو غلام شاب ثقف لقن ( 3 ) ، فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت ، لا يسمع أمرا يكادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام ، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبى بكر منحة من غنم فيريحها عليهما حين يذهب ساعة من العشاء ، فيبيتان في رسل ، وهو لبن منحتهما ورضيفهما ( 4 ) ، حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس ، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث . واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلا من بني الديل ، وهو من بني عبد بن عدي ، هاديا خريتا . والخريت : الماهر بالهداية . قد غمس ( 5 ) حلفا في آل العاص بن وائل السهمي ، وهو على دين كفار قريش ، فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما ، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث ليال . وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل ، فأخذ بهم طريق السواحل . قال ابن شهاب : فأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي وهو ابن أخي سراقة ، أن أباه أخبره أنه سمع سراقة بن مالك بن جعشم يقول : جاءنا رسل كفار قريش

--> ( 1 ) أحث الجهاز : أسرعه . وتروى : أحب الجهاز . ( 2 ) سفرة : زادا . ( 3 ) ثقف : حاذق . ولقن : سريع الفهم . ( 4 ) الأصل : ورضيعهما . وما أثبته من البخاري . والرضيف : اللبن يغلى بالرضفة ( 5 ) غمس حلفا : عقده . وكانوا يغمسون أيديهم في جفنة توكيدا للحلف .